ثماني مقولات ماركسية مباغتة (ترجمة)

2024-04-02 09:00:00

ثماني مقولات ماركسية مباغتة (ترجمة)
Mark Rothko, Untitled: Red on Red, 1969

إن السمة المميزة للشيوعية، لا تكمن في إلغاء الملكية/التملك عمومًا، بل في إلغاء أشكاله البرجوازية. إلا أن الملكية البرجوازية الحديثة باتت التعبير النهائي والأكثر اكتمالًا لنظام الإنتاج والاستيلاء على كل شيء، والذي يقوم في أساسه على الفروقات الطبقية، واستغلال الأقلية للأكثرية.

كتبها ميشيل أبولافية ونشرتها مجلة "جاكوبان" في 01\12\2019.

 

نقاد ماركس، عادة ما يخطئون فهم الماركسيين العظام، وهنا محاولة لتصويب الأمر.

ثمة العديد من الطرق لفهم ماركس، ولكل منها شرعيته، غير أن طرائق أخرى تسعى إلى إزاحة ماركس عن طريق استحضار بقايا الخطاب المناهض للشيوعية، فيسخرون منه باعتباره مبشرًا مخلصًا بالحتمية الاقتصادية، ويتحاملون على تحليلاته وتنبؤاته، باعتبارها قد أخطأت مسارها بشكل فج. ماركس لم يكن على صواب دومًا، (من هو ليكون كذلك!). لكنه كان مصيبًا، أو على الأقل نجح في طرح مقولات يمكن الدفاع عنها، أكثر مما يدركه الناس عامة، ليظل محط اهتمام دائم. وعليه، حيث نسعى إلى دحض بعض الصور الأكثر عسفًا للمفكر الاشتراكي العظيم، نقدم هنا ثمانية ادعاءات أن تفسيرات لماركس والماركسية، لها مقبوليتها.

1.

يمكننا القول، ببساطة، أن ماركس لم يرفض الرأسمالية! بل كان منبهرًا بها، حتى أنه جادل بأنها المنظومة الأكثر إنتاجية التي شهدها العالم.

خلال فترة حكمها البسيطة، حوالي المائة عام، صنعت البرجوازية، قوى إنتاجية أكبر حجمًا وأشد وطأة من كل الأجيال التي سبقتها، مجتمعين. فإخضاع الإنسان لقوى الطبيعة، والميكنة، والتطبيقات الكيميائية على الصناعة والزراعة، والنقل البخاري، والسكك الحديدية، والتواصل الهاتفي، وتحويل قارات بأكملها لتصبح أراضٍ زراعية، وحفر قنوات الري، وإخراج جماعات كاملة إلى سطح الأرض. ما الذي قد تكون القرون السابقة قد شهدته أشد دلالة على قوى إنتاجية أثرت على البنية الاجتماعية بهذا الشكل؟ 

2.

لقد أصابت تنبؤات ماركس بدقة، بأن الرأسمالية ستنتج لنا ما بات يُعرف اليوم بالعولمة. وقد رأى ماركس أن الرأسمالية ستخلق سوقًا عالمية يتزايد فيها التعاون بين البلدان. 

فمن خلال استغلال هذه السوق العالمية، اكتسبت البرجوازية طابعًا كوزموبوليتيًّا، فيما يتعلق بالإنتاج والاستهلاك في كل بلد. وبالإشارة إلى أكثر ردود الفعل ضآلة بشأن هذا الطرح، التي سحبت الأرضية القومية التي وقفت عليها الثورة الصناعية، فدُمرت الصناعات القومية القديمة، ويجري ذلك بشكل يومي، وبدلًا من المجالية المحلية والوطنية التي أحاطت بتلك الصناعات وعلائقها والاكتفاء الذاتي بها، بتنا نتواصل بشكل شبكي في كل الاتجاهات وأصبح لدينا اعتمادية عالمية بين الأمم.  

3.

وخلافًا لما كان عليه الحال في المجتمعات السابقة، حيث كانت تميل إلى الحفاظ على التقاليد القديمة وأساليب الحياة السابقة، سعت الرأسمالية إلى ابتكار طرق جديدة وبديلة للإنتاج، سرعان ما أثرت على الطرق القديمة. فالتكنولوجيا، تغير شكل حياتنا كل يوم أسرع من أي وقتٍ مضى، والإنتاج القديم بات عليه أن يفسح المجال للجديد وأصحابه.

وعلى الرغم من أن الرأسماليين عادة ما يصورون هذا الجديد على أنه سلعة نقية، إلا أنه مصدر للقلق العميق، حتى لو كان مصحوبًا ببعض التغيرات الإيجابية. فمن الممكن أن يدفع الناس إلى قبول أن قيمهم ونظام حيواتهم السابق لم يعد لها مكان في العالم، وأنهم يعيشون كالخشب المُسنّدة. كما أن استخدام تكنولوجيات وأساليب إنتاج جديدة بغرض تحقيق أرباح لقلة من الناس، يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير متوقعة. (لاشك أن ماركس، لو كان بيننا اليوم، لأشار إلى التغيرات البيئية باعتبارها نتيجة للرأسمالية المنفلتة من عقالها) 

لا يمكن للرأسمالية أن تستمر دون تثوير أدوات الإنتاج، وبالتالي علاقات الإنتاج، وبالتالي العلاقات المجتمعية ككل. إن ثورة الإنتاج المستمرة، وهذا الاضطراب المستمر لكامل البنية الاجتماعية، وانعدام اليقين الدائم، وهذا التعطش الذي يميز العصر البرجوازي عن كل العصور السابقة عليه. كل تلك العلاقات الثابتة والمتجمدة، بكل محمولاتها من تحيزات الآراء الوقورة، ستجرف بعيدًا، فيما ستتمركز العلاقات الحديثة جديدة التكوين، حتى قبل نضوجها. "كل ما هو صلب سيذوب في الهواء، وكل ما هو مقدس منبوذ، والإنسان في نهاية المطاف مجبر على مواجهة شروط الحياة الحقيقية وعلاقاته مع بني جنسه، بحواس واعية"(1)

4.

الشركات القوية، ومراكز الثروات، وأساليب الإنتاج الجديدة، جميعها تزيد من صعوبة الإنتاج الحرفي والمهني المستقل، وتجارة الطبقات الوسطى، والمحافظة على مراكز كل هؤلاء. إذ ينتهي بهم المطاف مكتسبين لمجموعات من المهارات التي لا أهمية لها، ليعملوا بها لصالح شركات تأسست أصلًا بهدف إزاحة هؤلاء من مجال العمل. بعبارة أخرى، لقد توقع ماركس إنشاء مجتمعات رأسمالية وولمارتية.(2)

فالطبقات الدنيا من الطبقة المتوسطة، وهم أصحاب الحرف الصغيرة والمتاجر والتجار المتقاعدين عمومًا، وكذلك أصحاب الحرف اليدوية والفلاحون، كلهم يغرقون تدريجيًا دوائر بروليتارية(3)، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن رأس مال هذه الطبقة المنخفض، لا يكفي لأن يدخلها في دوائر الصناعة الحديثة، وإلا ستغرق في المنافسة مع كبار الرأسماليين، حيث مهاراتهم المتخصصة أصبحت بلا جدوى في مواجهة أساليب الإنتاج الحديثة.

5.

لم يسع ماركس إلى إلغاء أشكال المِلكية والتملك، ولم يرد للأغلبية الساحقة من الناس أن تمتلك العدد الأقل من السلع المادية، ولم يكن ماركس طوباويًا مناهضًا للمادية، بحال من الأحوال. كان كل ما عارضه ماركس هو الملكية الخاصة، في شكل تمركزها في يد الرأسماليين البرجوازيين. في الواقع، نجد في نهاية هذا المقطع، ماركس وانجلز، وبحسٍ ملؤه الاستهزاء، يتهمون الرأسمالية بحرمان الناس من "ممتلكاتهم التي اكتسبوها بأنفسهم".

إن السمة المميزة للشيوعية، لا تكمن في إلغاء الملكية/التملك عمومًا، بل في إلغاء أشكاله البرجوازية. إلا أن الملكية البرجوازية الحديثة باتت التعبير النهائي والأكثر اكتمالًا لنظام الإنتاج والاستيلاء على كل شيء، والذي يقوم في أساسه على الفروقات الطبقية، واستغلال الأقلية للأكثرية.

بهذا المعنى، يمكننا تلخيص نظرية الشيوعيين في جملة واحدة، مفادها: إلغاء التملك الخاص.

وقد انتُقدنا، نحن الشيوعيين، على أساس أننا نعبر عن رغبتنا في إلغاء الحق في الامتلاك الفردي، بما هو ثمرة لعمل الفرد، باعتبار أن الممتلكات في هذه الحالة هي الأساس والنتيجة لكل حرية شخصية ونشاط واستقلال.  

إنها غنائم اكتسبها الفرد بصعوبة، وحقق بها ذاته! هل يعني ذلك أن ملكية الحرفي أو المزارع البسيط، هي شكل من أشكال الملكية التي سبقت البرجوازية؟ لا حاجة لإلغاء هذا الأمر، فقد دمره التطور الصناعي بالفعل، إلى حد كبير، ولا يزال يفعل ذلك كل يوم!

6. 

يعتقد ماركس أن البشر لديهم ميل طبيعي للشعور بالارتباط بالمواد التي صنعوها أو أنتجوها، وأسمى ذلك "تشيؤ" العمل، وقصد بذلك ما نضعه من ذواتنا في هذه الأعمال. فعندما يعجز المرء عن الارتباط بالمواد التي يصنعها، وأنه عنصر "خارج" عليه، فإنه ينفصل عن نتائج عمله هذا، مغتربًا عنه. كما لو كنت قد نحتّ تمثالًا، وسرعان ما أخذه أحدهم منك، ومنعك عن رؤيته أو لمسه بعد ذلك. يجادل ماركس بأن هذا ما مر به العمال في القرن التاسع عشر ، في مصانع الرأسمالية.

ما الذي يعنيه إذن اغتراب العمل؟

أولًا، واقع أن العمل هو أمر خارجي منفصل عن العامل، بمعنى أنه -العمل- لا ينتمي إلى الطبيعة الذاتية للعامل، وبالتالي، فهو لا يحقق ذاته من خلاله، بل يمحو نفسه، ولا يتحقق له الرضا، بل التعاسة، فلا يطور بحرية قدراته البدنية والعقلية، بل على العكس من ذلك. لذا ينتهي الأمر بالعامل أن يشعر بأنه منفصل عن عمله ومجاله، وكذلك عمله أمر منفصل عنه وعن ذاتيته. فهو يشعر بالأمان وبوطنه حين لا يعمل، فإذا عمل خرج منهما، لذلك فإن عمله، في هذه الحال، هو أمر قد أُجبر عليه، قسرًا. 

7. 

أراد لنا ماركس أن نكون قادرين على التحرر من طغيان تقسيم العمل وأيامه الطويلة، التي تمنع الأفراد من تطوير أنواع مختلفة من القدرات والمواهب. فنصبح خُدّامًا لنوع واحد فقط من الأنشطة، فتترك جوانب شخصياتنا المختلفة والمتنوعة دون تطوير. في اقتباس ملهم يؤطر ماركس الشاب دعوته تلك على النحو التالي:

بمجرد أن يبدأ توزيع العمل، يكون لكل فرد مجال نشاط خاص وحصري له، مجبرًا عليه، لا فكاك منه. أكان صيادًا أو صائد سمك، أو راعي قطيع، أو ناقدًا فذًا، يجب عليه أن يظل كذلك، إن أراد ألا يخسر سبل عيشه؛ بينما الأمر في المجتمع الشيوعي، حيث لا وجود لمجال حصري واحد لكل فرد، بل يمكن أن يكون منجزًا وفاعلًا في أكثر من مجال يرغبه، ويحقق ذاته فيه. ينظم المجتمع الإنتاج العام، جاعلًا من الممكن لي أن أفعل شيئًا ما اليوم، وغدًا شيئاً آخر، أصيد في الصباح، وفي الظهيرة أصطاد السمك، وحينما يحل المساء أرعى قطيعًا، وأتفرغ للنقد والتفكير بعد العشاء، تمامًا كما يراد لمن يمتلك عقلًا دون أن يجبر أن يكون صيادًا أو صائد سمك أو ناقدًا.

8.

لم يكن ماركس اقتصاديًا خالصًا، يؤمن بالحتمية الاقتصادية، كيف يفكر الناس ويتصرفون، هو أمر أثار اهتمامه. في رسالة كتبها انجلز بعد وفاة ماركس، شدد على أهمية الاقتصاد، وحاول أيضًا أن يوضح أنه ورفقيه -ماركس- قد أُسيء فهمهما، وأنهما قد تسببا في ذلك بشكل جزئي (ولنتنبه إلى آخر النقاط الماركسية في آخر النص):

أنا وماركس نلوم أنفسنا جزئيًا على حقيقة أن الشباب يركزون -أحيانًا- على الجانب الاقتصادي، أكثر مما يستحق. فكان علينا أن نشدد بدورنا على المبدأ الرئيسي، في مواجهة نقادنا وخصومنا، الذين أنكروه، بينما لم نمتلك الوقت الكافي، ولا الموقع اللازم ولا الفرصة الحقيقة، لنرد عليهم بما يستحقونه من عناصر أخرى ضالعة في أشكال التفاعل تلك. ولكن عندما يتعلق الأمر بعرض جزء من التاريخ، لجعل هذه التطبيقات عملية، كان أمرًا مختلفًا، ولا مجال للخطأ. إلا أنه، ولسوء الحظ، لم تسر الأمور بهذا الشكل، في كثير من الأحيان. حيث يعتقد الناس أنهم فهموا تمامًا نظرية جديدة، وأن بإمكانهم تطبيقها لحظة استيعاب مبادئها الرئيسية، بدهشة، دون أن يعوا ما قد يكون منها غير صحيح. ولا يمكنني هنا أن أعفي العديد من "الماركسيين"، من الجيل الأحدث من  هذا التقريع، حيث أن الكثير من سوءات الأمور أنتجت في هذا البند هي أيضًا...

 

الهوامش

  1. هذا اقتباس من ماركس في بيانه الشيوعي مع إنجلز، ونصه: " All that is solid melts into air, all that is holy is profaned, and man is at last compelled to face with sober senses his real conditions of life, and his relations with his kind."، يُنظر:
    Marx/Engels Selected Works, Vol. One, Progress Publishers, Moscow, 1969, pp. 98-137;
Translated: Samuel Moore in cooperation with Frederick Engels, 1888; (المترجم)
  1. في إشارة إلى مجموعة أسواق شركة وول مارت، وهي شركة متعددة الجنسيات للبيع بالتجزئة. لها فروع في 48 بلد، وتدير مواقع للتجارة الالكترونية على شبكة الانترنت. وتعد الشركة من كبريات شركات العمل في القطاع الخاص في العالم، حيث لها 10500 مخزن ومعرض حول العالم، بعضها بأسماء مختلفة، وتبيع مختلف المنتجات بداية من مواتد البقالة المنزلية الأساسية وصولًا إلى الأثاث المنزلي والأجهزة الالكترونية المعمرة، وغيرها. (المترجم) 
  2. البروليتاريا وفقًا لنظرية كارل ماركس، هو مصطلح يحدد فئة العمال المأجورين الذين يعملون في الإنتاج الصناعي والذين يعتمد دخلهم على بيع قوتهم الجسدانية العاملة. وكفئة اقتصادية تم تمييزها في أدبيات الماركسية عن الفقراء، والطبقات العاملة. ونظراً لوضعها التابع في مجتمع رأسمالي وآثار الكساد الاقتصادي على الأجور والعمالة، فإن البروليتاري كما يصفه الماركسيون يعيش عادة في فقر. غير أنه لم يكن لذلك مرتبطاً بالفقراء. (المترجم)