عزمي بشارة: خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى (٣ و ٤)

2020-03-24 14:00:00

عزمي بشارة: خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى (٣ و ٤)

منقولة عن صفحة عزمي بشارة على فيسبوك

٣
1. كثر أنبياء الغضب الذين يحمّلون التطور و"التقدم" ونمط الحياة المعاصر المسؤولية حتى عن الوباء. يمكن تحميل التقدم والتطور المسؤولية عن قضايا البيئة، وكذلك الحروب الحديثة المدمرة، وصولا حتى إلى الأمراض النفسية واغتراب الفرد في المجتمع وأمراض ارتفاع ضغط الدم والسكري والكوليسترول. والقائمة طويلة، فاختر ما شئت! لكن الأوبئة ليست ضمن القائمة. عرفت الحضارات السابقة الأوبئة المميتة المدمرة بمقاييس لا يمكن تخيلها (الطاعون، والتيفوس، والكوليرا، والحمى الصفراء والقائمة طويلة أيضا)، ولم يكن ثمة طب أو علم أو مجتمعات منظمة في دول. اجتاحت الأوبئة المؤرَّخ لها بالتفصيل قارات بأكملها منذ الطاعون في القرن الرابع عشر عدة مرات من دون طائرات وقطارات، فحتى الذباب أسهم في نقله، فضلا عن البعوض والجرذان. حصدت الأوبئة حياة الناس المرعوبين من هذا المجهول الذي بدا عقابا إلهيا. حتى المشعوذين والكهنة هربوا، وخلت مدن ومناطق كاملة من الحياة، ولم يبق في حالات كثيرة من يدفن الأموات. أما في عصرنا فأصبحت الأوبئة أكثر ندرة وأقل فتكا، وذلك بفضل العلوم النظرية والمخبرية والطب وما أنتجته من لقاحات وعلاجات، والمجتمع المنظم، وعوامل كثيرة متداخلة تتعلق بتطور الإنتاج والنظافة والسكن وعادات البشر الصحية، فازداد عدد سكان الأرض وطالت أعمارهم بتناسب طردي مع التطور الاجتماعي الاقتصادي، وقلت وفيات الأطفال، وتحسن الغذاء والدواء. وقد يعتبر البعض هذه الأمور لعنة أيضا، ولكن هذا موضوع آخر.

2. نضيف إلى الخاطرة الأولى "والله أعلم".

3. قلبي ليس مع الفلاسفة الذين سنحت لهم فرصة للاستفراد بجمهور أصبح أقل انشغالا وأكثر عرضةً التأملات عن معنى الموت، فليس للموت معنى، والأجدى أن يفكر الفرد في معنى لحياته، وليس في معنى الحياة. لا أتعاطف مع الغاضبين الذين يقومون بمقارنات تاريخية خارج السياق التاريخي (أي غير تاريخية)، وليس عندي سوى الضجر والسأم لناشري الشائعات على أنواعهم (مع الفارق الكبير بينهم وبين من سبق ذكرهم). قلبي مع الأطباء والممرضات والعاملين في المشافي، والعاملين في الزراعة وقطاعات الإنتاج ومحطات توليد الكهرباء وشركات المياه والاتصالات، ونعم العاملين في الشرطة والأمن الوطني (اسمحوا لي هذه المرة!)، والإعلاميين الذين يؤدون دورهم، والمتطوعين، وغيرهم كثيرين.

4. سوف تضطر الدول قريبا إلى التفكير بجدية بطول مدة الإغلاقات على أنواعها، فسوف تظهر تداعيات تعطيل مرافق تبدو لأول وهلة غير حيوية على العمل والإنتاج في المرافق الحيوية التي ما زالت عاملة؛ فمن المرجح أن يحصل تشويش في إسناد المرافق الحيوية، ومنها الصحية، وتزويدها بما تحتاجه من غذاء ومعدات ودواء وغيرها. ولا أتحدث عن الآثار على الاقتصاد الكلي، فهذه قصة أخرى، بل عن الأثر الفوري المباشر على حياة الناس التي تهدف الإجراءات إلى حمايتها.

5. أفكر بالمرضى المصابين بأمراض خطيرة غير كورونا الذين، في زمن كورونا الذي لا شريك له، سوف يخجلون بعد قليل من التصريح بذلك، أو حتى طلب الطبيب حين يتألمون وسوف يترددون كثيرا قبل التوجه إلى مستشفى حين يصابون بنوبة.

6. كانت الأوبئة عبر التاريخ من أسباب وقف الحروب منذ التقارير الأولى عن حرب البليبونيز التي كانت فيها أثينا على شفا الانتصار قبل ان يضربها الوباء (يقال الطاعون ولكن لا نعرف). وربما كانت الحمى المسماة خطأ الإسبانية (فربما كان مصدرها أصلا المعسكرات الإنكليزية المكتظة في فرنسا أو حتى الولايات المتحدة) من أسباب وقف الحرب العالمية الأولى. لكن حفتر (هل لدى أحد أي طاقة للتفكير بهكذا شخص حاليا؟) لا يكترث بالوباء ولا يعتبره سببا كافيا لوقف قصف طرابلس، ولا يبدو أن أطراف الصراع في اليمن تأبه به، أما النظام في سورية فيواصل حربه على شعبه، وسوف ينتصر على الفيروس كما انتصر على "جراثيم الإرهاب"، وقد يختار الرد على الفيروس "في الزمان والمكان المناسبين". كل شيء وارد في هذه المنطقة المنكوبة المصابة في روحها وجسدها.

٤
1. يحيرك من اكتشف فجأة أهمية الدولة أو أنها عادت أو صعدت. وهل اختفت الدولة، أو ذهبت أو نزلت قبل الوباء؟ من تفلسف سابقا وكأن العولمة انتصرت على الدولة باعتبارها عنده نقيضها أو خصمها، صدّق نفسه، فتفاجأ الآن. لكن كان بوسعه أن يلاحظ ما بينته التطورات خلال العقدين الماضيين: فحين كانت العولمة الاستهلاكية والثقافية والرقمية وفي مجال الاتصالات والتنقل في تصاعد، كانت كذلك قوة الدولة. كما قامت عشرات الدول الحديثة في وسط آسيا وأوروبا الشرقية والبلقان، وأخيرا انفصلت بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. كما ثبت أن العولمة، التي أنتجت ثقافة عالمية جديدة، أيقظت أيضا الثقافات والهويات المحلية والقومية في الوقت ذاته. الطبيعة مركبة وعالم البشر أكثر تركيبا، ويزدحم بالمتناقضات التي يعيش البشر فيها ومعها ومن خلالها، ويتغيرون. فقط الفلاسفة الموسميون في زمن الكوارث يستنبطون من كل تفصيل نبوءة، ويستسهلون التعميم من وقائع منتقاة إلى نظرية شاملة، وكان يمكن استنتاج غيرها لو انتقوا وقائع أخرى. ولهذا السبب يمكن اعتبار هذا النوع من التفلسف ظاهرة نافلة.

الدولة التي تحتكر العنف الشرعي، وتشرع القوانين، وتنفذها، وتحكم في النزاعات بين الناس، وتصدر وثائق الهوية والأحوال الشخصية، وتقر الميزانيات وتجبي الضرائب... هي نفسها الدولة التي خاضت الحروب وأصبحت أكثر قوة ونفوذا بعدها، والتي استفادت من التكنولوجيا المعولمة لتطور قدرتها على الضبط والسيطرة... وهي الدولة التي تتصارع القوى السياسية للسيطرة عليها... هل أصبحت فجأة مهمة في زمن كورونا لأنها أغلقت الحدود وفرضت العزل المنزلي؟ عجيب أمر الرومانسيين الذين يرون في هذا تغيرا عظيما. لقد عرّف أحد المفكرين القانونيين الألمان قبل الحرب العالمية الثانية الدولة تحديدا بقدرتها على فرض نظام الطوارئ. وقد اعتبرتُ (في كتابي الأخير حول الشعبوية) تعريفه مجردا لأنه يقوم على الاستثناء لا على القاعدة، وكان هذا هو سبب إعجاب النازيين به.

2. تتطلع الناس إلى الدولة في زمن الكوارث لأنها المجتمع المنظم ذاته في صيغته السيادية الكلية، ولأنه المؤسسة الشرعية التي يمكن أن تعلن منع التجول وتوزيع المؤن وتخصيص الميزانيات واستنفار الجيش وإصدار الأوامر، وإعلان حالة الطوارئ. ولهذا السبب ولأسباب أخرى كثيرة يرغب الناس بتحديد سلطات الدولة في غير حالات الطوارئ، ومنع تعسفها حتى في هذه الحالات. ليس هذا الأمر بجديد.

3. لا يدل إغلاق الحدود بحد ذاته على شوفينية أو على صعود قوة الدولة. وبعض الدول غير الجاهزة لمواجهة الوباء لا تستطيع سوى القيام بهذه الخطوات. فقد أغلقت أيضا أحياء ومدن، وأغلقت بنايات ومنازل أيضا. تمثل الحدود المجال الأوسع الذي يمكن للدولة إغلاقه لمنع انتشار العدوى. لا علاقة لهذا بقلة بالإنسانية ولا بالعنصرية. وذلك خلافا لرفض معالجة مرضى داخل نطاق الدولة لأسباب عنصرية وغيرها.

4. الناس لا تجلس وتستنتج نظاما عالميا جديدا لأنهم يصبحون أكثر حكمة بعد الكوارث. لا تجري الأمور على هذا النحو. وحين يتحدثون عن النظام العالمي، إنما يقصدون عادة النظام الدولي، وليس التوازن البيئي بين الإنسان والطبيعة. لنفكر قليلا، هل سوف يغير الوباء النظام الدولي بمعنى المنطق الذي تقوم عليه علاقات الدول وهو توازن المصالح وتوازنات القوى؟ هل سوف تصبح الدول أكثر عقلانية أو أكثر أخلاقية، أو كليهما بسبب الوباء؟ لا أعتقد ذلك. نأمل أن يصبح الناس عموما أكثر عقلانية أخلاقية، وسوف يؤثر ذلك على السياسة، وربما على طبيعة الأنظمة، ولكن ليس بالضرورة على علاقاتها. ولكن نأمل ولا نتنبأ.

5. كانت ثمة أسباب كثيرة غير الوباء، للتفكير بطريقة حياتنا. ليست طريقة حياة الناس سبب الطفرة الجينية في نشوء الفيروس. وقد حصدت الأوبئة مجتمعات وتنقلت بين القارات في الماضي أيضا. لدينا أسباب كثيرة مقنعة لإبطاء إيقاع حياتنا وتقليل الضغط وتخفيف السرعة، والتفكير أكثر بالنوعية والكيف قبل الكم. يقول الفلاسفة الموسميون إن الجلوس في البيت سيعلمنا ذلك. لينتظروا قليلا حتى يبدأ الجلوس بالبيت بالتسبب بالضغط وعوارض أخرى غير حميدة لن افصّلها، ولينتظروا أثره على عمال المياومة الذين إذا لن يعملوا لن يقوموا بأود عائلاتهم. الجلوس في البيت ضروري جدا للحد من انتشار العدوى، وسوف يحاول البعض أن يستخلص فوائد وعبرًا منه. ولكن لا يمكن استنتاج نظريات حول كل شيء من التفاصيل الغريبة التي نعيشها حاليا، والتي تبدو مثل مشهد سينمائي. قد نتعلم مرة أخرى بعض الأشياء المفيدة حول تصرف الناس عند شعورهم بالضغط، ودور غريزة البقاء في مقابل دور الأخلاق بوصفها هوية إنسانية. قد يستنتج الناس أمورا حول تشابه البشر مواجهتهم نفس الخطر، ولكن هل يعني ذلك تبني قيمة المساواة؟ ليس بالضرورة. نأمل ذلك. ولكن ليس هذا استنتاجا عمليا، ولا نبوءة.

6. لا بديل للتفكير العقلاني والأخلاق الإنسانية في التعامل بين البشر قبل الوباء وبعده، والتواضع في العلاقة مع الطبيعة بما فيها جسم الإنسان، على الرغم من أن أساس منطق العلم هو السيطرة على بيئة الإنسان، واكتشاف قوانين الطبيعة لتسخيرها، كما في حالة الأبحاث الجارية على الفيروس في مختبرات دول العالم المتطورة. ولكن يجب أن ندرك أننا لا نسيطر على قوانين الطبيعة مثل محتل خارجي، بل نبقى جزءًا منها، ولا توجد طريقة أن نسيطر عليها من خارجها. هذا وهم. فكرة مهمة في وضع السياسات الصحية العامة وربما السياسات في الإنتاج أيضا، والتي تمس نمط الحياة بأكمله، ولكن لا أعتقد أنها تفيد أي عالم بيولوجيا أو بكتريولوجيا في أبحاثه الجارية حاليا على الفيروس.