تهويمة

2017-12-25 15:00:00

تهويمة
diego maradona

في البداية قلت لنفسي أن الأحلام هي رسائل الموتى والمسافرين، غير أن هذا لا يعني أن الموت والسفر شيء واحد. لفتت تلك الملاحظة انتباهي، ولوهلة، فهمت أن الأفكار التي تلفت انتباهي كفيلة بتخفيف آلام التشنجات، الأمر الذي يجعلني مطالباً بوضع قائمة من الأفكار المثيرة، وتعاطيها كأقراص لعلاج الصرع الناتج عن سرعة النقطة الزرقاء. كانت هذه الفكرة مثيرة أيضاً بما يكفي للقضاء على نوبة التشنجات في منتصفها.

فجأة، انبثقت نقطة. نقطة زرقاء. وراحت تتحرك يميناً ويساراً، بسرعة تتزايد تدريجياً، في البداية كان لها سرعة فراشة، ثم سرعة كرة بينج بونج، ثم سرعة كيس رمال تحت قبضتي ملاكم، وقبل أن أكتشف أن متابعة النقطة بسرعتها الجنونية ستصيبني بالتشنجات، كنت بالفعل قد تشنجت، وافترشت النقطة الزرقاء الوجود كله.

لا أعرف كيف عرفتُ أن نوبة التشنجات ستستغرق عدة دقائق، وكان عليّ الهروب من الألم بإمضاء الوقت، حاولت أن أفكر في أن بداية الخليقة كانت نقطة زرقاء، توافرت لها الظروف المناسبة للمعيشة، فعاشت. ألا أن فكرتي كانت قصيرة، لم تسعفني سوى في استهلاك ربع الوقت المتبقي حتى انقضاء نوبة التشنجات، وعليه، انتقلت لفكرة أخرى، مفادها أن التقاء نقطتين زرقاوين قد يخلق عالماً كاملاً من النقاط الزرقاء، لكني استدركت، وقلت لنفسي أن التقاء نقطتين زرقاوين ربما يندرج تحت بند زنا المحارم، وبالتالي فإن الأسلم هو التقاء نقطة زرقاء وأخرى خضراء، على أن تقوم نقطة حمراء بإعلان النقطتين الزرقاء والخضراء زوجاً وزوجة. هذا أنسب شيء، وستفعله النقاط الملونة ابتغاءً لمرضاة من يريد أن نبتغي مرضاته.

انتهت النوبة، وعادت النقطة الزرقاء إلى موقعها، في منتصف الجدار، وبدأت دورة جديدة من التأرجح يميناً ويساراً، في البداية كان لها سرعة فراشة، ثم سرعة كرة بينج بونج، ثم سرعة..

عند هذا الحد أغمضت عيني لكيلا تصيبني السرعة الجنونية للنقطة بنوبة تشنجات جديدة. وسألت نفسي: كم من الوقت يتعين علي أن أبقي عيني مغمضتين؟ وكان بديهياً أنني لن أعرف الإجابة إلا إذا فتحت عيني. ففتحت عيني.. ووجدتني جالساً في الكنبة الثالثة في ميكروباص لا أعرف وجهته، على يميني سيدة منتقبة وعلى يساري محمد علي باشا، لكن بملابس عصرية.

تساءلت، لكنني لم أكن أعرف عن ماذا أتساءل بالضبط، كانت الحيرة تفيض من داخلي، وتلف جميع ركّاب الميكروباص، حتى أن الرجل بجوار السائق تحوّل إلى علامة استفهام بمجرد مغادرته للسيارة، ومحمد علي باشا أيضاً اخترق صفيح السيارة من الجانب الأيسر ونزل ليتحوّل من فوره إلى علامة استفهام.

أصابني هذا المصير المبهم بالذعر، وخشيت أن أتحوّل لعلامة استفهام، وغزاني شعور بأنني يجب أن أسأل أحد الركّاب عن حقيقة ما يجري، لكني – ولأسباب غامضة – كنت أشعر بالحرج من توجيه أي سؤال للسائق، لذلك ربما، بدأت أختنق بتساؤلاتي التي راحت تتكوم بداخلي وتنتفخ، حتى انفجرتُ إلى تسعمائة وسبع وأربعين شظية، تبعثرتْ من نوافذ الميكروباص، ودهستها خطوات المارة وإطارات السيارات وسنابك الخيل وبيادات الجنود. سمعتُ أحدهم يقول إنني لغم أرضي منسي زرعته دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية، بينما سخّف آخر من هذا الرأي مؤكداً أنني لست سوى دمّل في وجه الأرض، وأن مصيري كان معلوماً للقاصي والداني، وأن بعض المطهّرات والمضادات الحيوية الموضعية كانت كفيلة بأن أصل لما أنا عليه الآن، وأنه لا أمل في شفائي إلا على يدي النقطة الزرقاء.

جمّع الرجال أشلائي في عدة صناديق مُظلمة كُتِب عليها "الأسلوب هو الرَجُل"، وتم نقلي عبر أثير الراديو إلى البلاد البعيدة التي تعيش فيها النقطة الزرقاء، والتي كانت أول شيء أراه بعد أن فتحوا الصناديق المظلمة. وراحت النقطة الزرقاء تصنع دوائر هذه المرة، كانت تدور في البداية بسرعة عقرب الثواني، ثم بسرعة ملعقة تقلّب السكر في كوب من الشاي، وأخيراً بدأت تدور بسرعة إطار درّاجة نارية من نوع ياماها، وعند هذا الحد أصابت جسدي التشنّجات، ووجدت نفسي مضطراً مرة أخرى إلى استهلاك المدة المتبقية من النوبة في التفكير.

في البداية قلت لنفسي أن الأحلام هي رسائل الموتى والمسافرين، غير أن هذا لا يعني أن الموت والسفر شيء واحد. لفتت تلك الملاحظة انتباهي، ولوهلة، فهمت أن الأفكار التي تلفت انتباهي كفيلة بتخفيف آلام التشنجات، الأمر الذي يجعلني مطالباً بوضع قائمة من الأفكار المثيرة، وتعاطيها كأقراص لعلاج الصرع الناتج عن سرعة النقطة الزرقاء. كانت هذه الفكرة مثيرة أيضاً بما يكفي للقضاء على نوبة التشنجات في منتصفها.

رجعت لمتابعة النقطة الزرقاء، التي راحت ترسم الدوائر مرة أخرى، بسرعة عقرب الثواني، ثم بسرعة ملعقة تقلّب السكر في كوب من الشاي، ثم أغمضت عيني تفادياً لنوبة جديدة من التشنجات، إذ أن امتلاك آلية لتقصير مدة النوبة ليس سبباً كافياً لتعريض نفسي لها بشكل متواصل. فتحت عيني فوجدتُني يافطة محل أحذية اسمه "أقدام مارادونا". شعرت بالفخر لاقتران اسمي بالأرجنتيني الشهير، وخطر على بالي أنني أولى الناس بذلك. كانت لدي قائمة طويلة من التبريرات لهذه الأولوية، لكنني لم أشعر برغبة في ذكرها، ذلك لأن الأمطار التي كانت تغرقني وتغرق واجهات المحلات وأرصفة الشوارع وأعمدة الإنارة، كدّرت مزاجي، وتسببت في احتراق إحدى لمبات الإضاءة بي، فانطفأت يافطتي، وذبلتُ وسقطتُ كأصبع مصابة بالجذام.

حزن علي صاحب محل الأحذية وأعلن الحداد على روحي. قتل اثنين من أبنائه تعبيراً عن حزنه، ثم قرر أن يصلحني، فأرسلني مع أحد صبيانه إلى الورشة لكي يتم تصليح أعطابي، لكن الوقت كان قد تأخر، فتركني الفني في ظلام الورشة على أن يعود لإصلاحي في اليوم التالي، وهناك في الظلام انبثت النقطة الزرقاء مجدداً، ولاحظتُ هذه المرة أنها صارت أسرع بأضعاف، وأنها اختارت أن ترسم خطاً عمودياً، فراحت تتحرك من الأعلى إلى الأسفل وبالعكس، بسرعة رهيبة، في البداية كانت تتحرك بسرعة قفزة لاعب كرة سلة، ثم بسرعة نافورة، ثم بسرعة رصاصة، لذلك أصبت بالتشنجات.

النوبة هذه المرة كانت طويلة. هذا ما أدركته منذ بدايتها. كان الألم قوياً، ولم أكن قد جهزت قائمة بالأفكار المثيرة التي ستخفف آلامي التي أجبرتني على أن أغمض عيني وأبكي في صمت، وحتى عندما حاولت الصراخ من شدة الألم لم يخرج مني أي صوت، لكني عندما فتحت عيني وجدتني واقفاً في منتصف شقة واسعة، في يمناي إبريق شاي أصب منه في كأس من الخزف الصيني موضوع على صحن صغير. حملت الكأس وبدلاً من أن أقدمه للشاب ذي العين الوحيدة الذي يجلس في طاولة تقع في الزاوية، سكبت الشاي الساخن على صدره. أدركت في تلك اللحظة أن هذه الشقة مطعم وأنني أعمل نادلاً فيه. صرخ الشاب وتعالت أصوات رواد المطعم، وتدخّل مديري الذي وبخني كثيراً، ثم طردني من العمل ليمنع الزبون ذا العين الوحيدة من تقديم شكوى ضد المطعم لدى جهاز حماية المستهلك.

غادرت المطعم حزيناً بعد أن استلمت بقية مستحقاتي، وتساءلت في قرارة نفسي إن كان بوسع النقطة الزرقاء أن تحل هذه المشكلة، إلا أن محمد علي باشا ظهر بملابسه العصرية من أحد الشوارع الجانبية وأجابني بشكل حاسم: الصلوات ليست كفيلة بتغيير أي شيء، وكذلك النقطة الزرقاء.

ثم تحوّل إلى نقطة زرقاء على الجدار، وتلاشى.