لماذا ينحاز بعض المثقفين إلى الشرير؟

2017-09-09 15:00:00

لماذا ينحاز بعض المثقفين إلى الشرير؟
الشاعر السوري أدونيس

كلا النتيجتين كارثية على مستقبل الثقافة: هذا الإنتاج الفني المتراكم يومياً لشباب انخرطوا في الثورة مضر للشباب حيث ينفقون وقتهم في أعمال لا قيمة فنية لها، بدلاً من التركيز على ما يستطيعون إنجازه في مجالات أخرى. يجب كبح جماح هؤلاء فوراً، والأخذ على أيديهم، بدلاً من تشجيعهم. واجبنا يقتضي أن نقول لهم بأن الموقف الأخلاقي لا يؤدي إلى فن ناضج، وأن عليهم أن يرحمونا ويرحموا أنفسهم من هذا الإنتاج الفني.

تخبرنا علوم الإدراك الحديثة أن ملكات الإنسان العقلية، وهي الملكات المعطاة بيولوجياً عند الولادة، متعددة ومتمايزة: هناك ملكة أخلاقية، وملكة لغوية، وملكة التفكير العلمي، وملكة الموسيقا، وملكة التواصل الاجتماعي، وغيرها. هذه الملكات تتقاطع وتتكامل؛ ولكنها، أيضاً، تختلف وتتمايز. هذا التعدد الذي يميّز الطبيعة البشرية، يفسّر لنا لمَ ينحاز بعض المبدعين إلى الشر: قد تتطور ملكة محددة بشكل كبير، في حين تبقى بقية الملكات ضامرة. على سبيل المثال، قد يكون المرء مبدعاً في الموسيقا وأحمق تماماً في العلوم؛ أو عالماً في الفيزياء، ولكنه غير قادر على تذوّق الأدب: يُحكى أن أينشتاين أعاد كتاب كافكا "المحاكمة" إلى توماس مان، الذي أهداه له، قائلاً إنه من الصعوبة بمكان فهم مثل هذا العمل. 

على أنّ الانفصال بين الملكات العقلية المسؤولة عن الثقافة والإبداع بأشكالها المختلفة، وبين الملكة الأخلاقية، هو الأكثر إثارة للجدل: قد يكون المبدع منحطاً أخلاقياً، وضيعاً، تافهاً؛ أو قد يعيش في عالمه الخاص، لا يفهم الأخلاق أو السياسة على الإطلاق، ويقتصر عالمه على مجاله الإبداعي، والقليل من الحياة الاجتماعية الضرورية: إنغمار برغمان أشار إلى عدم فهمه للسياسة، على سبيل المثال. الأمثلة التي تخبرنا عن الانحطاط الأخلاقي للمبدعين عبر التاريخ تُؤكد وجود تمايز بين الملكات بما لا يدع مجالاً للشك: أبو الطيب المتنبّي كان متملّقاً لكل أهل السلطة، مغروراً نرجسياً عنصرياً؛ غوتلوب فريجة، مؤسس المنطق الرياضي الحديث، كان يكره اليهود كعرق، كما كان حال الرسام الفرنسي إدغار ديغا، الذي احتقر النساء أيضاً؛ وقصة الشاعر الأمريكي إزرا باوند الذي عمل بحماسة مع الفاشيين بانحطاط لا مثيل له، تشكل نموذجاً للإبداع الشعري والانحطاط الأخلاقي.

مع الربيع العربي، عادت العلاقة بين الأخلاق والإبداع الثقافي إلى الواجهة، بعد خيبة الأمل التي أصابتنا من الموقف المتردد، أو المعادي، لمثقفين ومبدعين كثر من الثورة السورية. كانت ردة الفعل، عند الملتزمين أخلاقياً بالثورات، مبالغ فيها، وخطيرة: جرى تسييس الموقف من الثقافة بكافة أشكالها: كل من اتخذ موقفاً أخلاقيا من الثورة، مبدع؛ وكل من اتخذ موقفاً لا أخلاقيا، جرى التشكيك في عمله الإبداعي والثقافي. 

النتيجة هي كم هائل من فن متهافت مباشر ممل دعائي، من جهة؛ ومن جهة أخرى، مواقف متشنجة لا تستطيع قراءة أي موقف ثقافي خارج السياسة.  

كلا النتيجتين كارثية على مستقبل الثقافة: هذا الإنتاج الفني المتراكم يومياً لشباب انخرطوا في الثورة مضر للشباب حيث ينفقون وقتهم في أعمال لا قيمة فنية لها، بدلاً من التركيز على ما يستطيعون إنجازه في مجالات أخرى. يجب كبح جماح هؤلاء فوراً، والأخذ على أيديهم، بدلاً من تشجيعهم. واجبنا يقتضي أن نقول لهم بأن الموقف الأخلاقي لا يؤدي إلى فن ناضج، وأن عليهم أن يرحمونا ويرحموا أنفسهم من هذا الإنتاج الفني.

المواقف المتشنجة المُسيّسة للثقافة أخطر من الإنتاج الفني المتهافت: يقع السوريون اليوم في الفخ الذي وقعنا فيه سابقاً في القضية الفلسطينية، حين جرى تقييم أي عمل بناء على موقف الكاتب من فلسطين. كلنا نعلم أن خيرة المبدعين الأوروبيين تجاهلوا المأساة الفلسطينية ودعموا إسرائيل بشكل شبه كامل في بدايات القرن الماضي وحتى سبعينياته تقريباً: الأمثلة الأشهر سارتر ودوبوفوار وشاغال وبوب ديلان، وعشرات غيرهم. بعض اليهود اتخذوا مواقف غائمة مترددة: كافكا وفتجنشتين، حين درسوا إمكانية الهجرة إلى فلسطين ضمن الحركة الصهيونية. بعض أهم المبدعين اليهود شككوا في تأسيس دولة يهودية، في فترة مبكرة جداً، ورفضوا الهجرة إليها: فرويد وأينشتاين وكارل بوبر. لا يؤثر أي من هذه المواقف الثلاثة على فهمنا لعملهم؛ بكلمات مباشرة وواضحة: ليس الموقف من فلسطين هو ما يحدد قدرة المثقف على الإبداع، وموقفنا من هذا الإبداع مستقل عن الموقف السياسي للمُبدع. 

في الحالة السورية، شن أنصار الثورة حملة شعواء على ساندرز وكوربين وتشومسكي وأوباما، على سبيل المثال، بسبب مواقفهم المتعاطفة مع النظام السوري، أو الباردة والمترددة اتجاه الثورة. على أن المبالغة في نقد أمثال هؤلاء، جعلتنا لا نرى تعقد الموقف داخل بلدانهم: هذه الشخصيات تستطيع تقديم شيء مخالف للسائد في الغرب؛ ومحايد، بل مضر ربما، اتجاه سوريا. هذا هو الواقع: ليس الموقف من سوريا ما يحدد الموقف المطلوب من آراء الناس في قضايا السياسة والثقافة المختلفة. علينا أن نتذكر دوماً أن أنصار الثورة السورية، من أمثال جون ماكين، يمثّلون الجانب المظلم في السياسة الداخلية الأمريكية. 

على أن المثال الأشهر والأكثر أهمية هو المواقف من الشاعر أدونيس: خلط نقّاده بين موقفه السياسي وبين أعماله الشعرية والفكرية، ووصل الأمر أحياناً إلى قراءة شعره من منظار موقفه من الثورة. هذا موقف مضر لفهمنا لأنفسنا، ولتاريخنا، ولحركتنا الشعرية: مهما يكن موقف أدونيس من الثورة، وموقفنا منه، يبقى شعره، الممتد على مدى خمسين سنة، نقطة علّام في الشعر العربي، وثورة حقيقية، سواء كنا من المعجبين بهذا الشعر أم لا. 

في حالات معينة، هناك رابط مباشر بين الأعمال الفكرية والموقف السياسي، كما هو الأمر مع أدونيس وجورج طرابيشي في حالتنا السورية، وفريدريك نيتشه وهيغل وماركس وباكونين وغيرهم، في الفلسفة السياسية: هذه الاعمال هي أعمال سياسية فكرية، وبالتالي، من الواجب ربطها بالمواقف السياسية المُعلنة لمنتجيها. ولكن حتى في هذه الحالات، يجب قراءة العمل بطريقة موضوعية، بعيداً، بشكل مؤقت على الأقل أثناء تحليل العمل، عن الموقف السياسي لمُنتج العمل. 

قلنا إن ملكات الإنسان العقلية تتمايز وتتعدد: يعني هذا أن علينا، لنفهم الإنسان، أن نتعلّم كيف نقدّر عمله في مجال إبداعه، وأن نحتقر شخصه إن اتّخذ موقفاً أخلاقياً منحطاً. ليس هذا بالأمر اليسير، وربما، ليس ممكناً أيضاً: إلا أنه الموقف الوحيد الذي يسمح لنا بفهم الإبداع والثقافة، والأخلاق أيضاً، بشكل واقعي: في الثقافة والإبداع، علينا أن نحاول فهم العالم المحيط بنا، والاستفادة من أعمال الفلاسفة والأدباء والكتاب، بعين ناقدة، حيادية موضوعية أخلاقياً؛ أما معركتنا الأخلاقية مع أنظمة الشر، فيجب أن تتسم بحدة مباشرة وصريحة وقاسية: تستخدم أنظمة الشر الضعف الأخلاقي والانحطاط والجبن واقتناص الفرص، الذي نراه عند بعض المثقفين، كما نراه عند غيرهم من الناس، لتبرير حربها على الناس: كشف هذا الانحطاط والضعف جزءاً لا يتجزّأ من المعركة الأخلاقية، وإصرارنا الدائم على عدم تبرير المواقف المنحطة للمبدعين باسم الإبداع، هو المهمة الشاقة، ولكن الجوهرية، في هذه المعركة. 

تطرح مجلة ”رمان“ سؤال الصحافة الثقافية اليوم ضمن ملفها الذي نشارك به في مقالنا هذا: يبدو لي أن ثورات الربيع العربي، على العموم، ما زالت تتعامل مع الثقافة من باب السياسة، مما يعني غياب القدرة على تقديم صحافة ثقافية فعّالة وحقيقية وصادقة وغنية. ما ذكرناه أعلاه دعوة إلى فصل الثقافة عن السياسة والأخلاق؛ نرى أنها مفيدة لفهم الثقافة، وأكثر فعالية في معالجة المشاكل الأخلاقية. 

قلّة من البشر تتسم بعظمة سامية، تتيح لها تطوير ملكتها الأخلاقية بالتوازي مع الملكات الأخرى: أبو العلاء المعرّي نموذج نادر جداً لهذه العظمة. بقية البشر تتفاوت مقدراتها الإبداعية والأخلاقية: هذا، في الحقيقة، مدعاة للتواضع، وللتفكر بتشابك حيواتنا، وتعقّد طبيعتنا. 

الافتراض بأن المبدعين بشر متفوقون في كل المجالات فارغ وخيالي؛ أخلاقياً، لا يتفوّق إلا من يواجه الشر مباشرة وجهاً لوجه، وليس من يُبدع في عالم موازٍ، ما وراء الشر والخير.