Author Name

مجلة ثقافية فلسطينية

للكاتب/ة

وهنا يتبدل السؤال الأخير: ما الذي يمكن أن يحمله الإنسان في جسده، وقد صار حيزه الأوحد، بعد أن يسلب منه كل شيء آخر؟

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

30/04/2026

تصوير: اسماء الغول

باسمة التكروري

مجلة ثقافية فلسطينية

باسمة التكروري

وروائية مقيمة في كندا

يتناول فيلم فلسطين 36، من إخراج آن ماري جاسر (2025)، أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانتداب البريطاني عام 1936، عبر حكايات تتجاور داخل قرية يتبدل إيقاعها تحت ضغط العنف الاستعماري. ويترك هذا العنف أثره في التفاصيل اليومية، وفي مصائر الشخصيات، وفي الطريقة التي تُرى بها الأشياء فيغدو القمع حضورا يتداخل مع العيش نفسه، يثقل اللغة، ويعيد تشكيل الإحساس بالعالم.

ومن خلال الأب بولص وابنه كريم، يتقدم الإيمان بوصفه خبرة مرافقة لهذه الحياة، فيتشكل داخلها ويتبدل معها، ويظل قادرا على ملامسة المعنى. مشهدا مشهدا، يرافق ينطلق السرد التوتر في تدور وعي كريم من حالة اتزان خافتة، من عالم ما تزال اللغة فيه قادرة على تسمية الألم ووضعه في سياق يُحتمل، قبل أن تتكاثف الوقائع وتضيق هذه القدرة فيها بالتدريج. ومع هذا التحول، يبقى الإيمان أثرا في الوعي، وطريقة في التقاط ما يحدث، وفي الاستمرار داخله، فيمنح التجربة قدرا من التماسك، ويبقي المعنى ضمن نطاق الممكن، وإن على نحو هش ومتغير.

يمضي الفيلم بهذا الأفق حتى حافته، حيث يجد الإيمان نفسه، شيئا فشيئا، في مواجهة واقع يتجاوز قدرته على التسمية والاحتواء، فيتسرب التآكل البطيء لمعناه إلى السطح. ومع هذا التآكل، تضعف فاعليته كبنية حماية اجتماعية وخلاص فردي، وتتآكل قدرته على حمل ذاته أمام تكاثف بنية العنف الاستعماري وتصاعدها. وعند تلك النقطة، يتراجع الإيمان عن وظيفته الأولى، ويصير الكلام الذي حمل الألم طويلًا أبطأ من الألم نفسه، وأقل قدرة على ملامسته.

 ينشأ هذا التحول من شقاق بين اللغة التي يتقدم بها الإيمان إلى العالم، والعالم الذي يفرض منطقا آخر للفهم والبقاء. ويكشف الفيلم، بحساسية عالية، تشابك العناصر الأخلاقية والاجتماعية والرمزية داخل هذا النظام، مظهرا كيف يتكون تصور للعالم القابل للإدراك، وللألم الذي ما زال يمكن احتواؤه. ومع بدء تفكك هذا النظام، يتزعزع الاعتقاد، وتفقد اللغة قدرتها القديمة على الشرح، فينشأ فراغ ثقيل يتجلى في نظرات كريم المتسائلة، وفي حركات يديه المتعثرة، المتنقلة بين ما يجري بحيرة شديدة. وهنا يغدو الواقع أكثر تعقيدا من أن يُفهم بالكلمات التي كانت ترتبه سابقا بكل سلاسة.

الإيمان كبنية اجتماعية وتنظيم للمعنى

يجسد الفيلم الإيمان في موقع الأب بولص داخل الجماعة، ويمنحه حضورا حيا يصل اليومي بما يتجاوزه، ويربط خبرة الناس المباشرة بمنظومة أخلاقية أوسع تحكم نظرتهم إلى أنفسهم وإلى ما يجري حولهم. بهذا الحضور، يكتسب الإيمان شرعية ملموسة، وتتكون حوله شبكة ثقة تضبط إدراك الناس لما يحدث.

يظهر الأب في القرية، وفي كنيستها، بين أهلها، جزءا من نسيجها اليومي. فنراه يتكلم بسلطة هادئة، ويقف بثبات، وتتجه إليه الأنظار طلبا للتوجيه. ومن خلال هذه الشخصية المتصلة عضويا بالقرية، يغدو الإيمان بنية مرئية، تتجسد فيها القيم داخل شخص يمكن رؤيته والاطمئنان إليه.

ويشتد هذا الحضور في وعي كريم، حيث يظهر الأب صورة للعالم حين يكون مفهوما ومحميا، ويشغل موقعا يتجاوز الأبوة إلى تمثيل الإيمان نفسه أمام الطفل. فيبدو العالم أكثر ثباتا حين يثبت الأب، ويكتسب الصبر معناه الأمثل حين يصبر، ويصير الاحتمال قابلا للتصديق حين يحتمل.

تتحول الدروس التي يتلقاها كريم عبر صورة الأب إلى مفاتيح لقراءة الوجود، حتى في اللحظات الصعبة:
“فزت لأني تحملت أكتر، مش لأنه عضتي أقوى.”
تصوغ هذه الكلمات نظاما أخلاقيا يستدل به كريم، ويبني عليه إدراكه للعالم من حوله. فهي تعلمه كيف يرى الوجع، وكيف يفسره وكيف يضعه داخل نظام يوحي بأن المعنى ما زال قائما وأن احتمال النجاة ما زال ممكنا.

يلتقي الفيلم، في هذا المستوى، مع ما يطرحه طلال أسد في مقاله “تشكلات العلمانية”، حيث يبين أن الدين لا يتحدد بمقولاته العقائدية وحدها، بل يتشكل عبر ممارسات اجتماعية وتاريخية تمنحه معناه ووظيفته. وهكذا يغدو الإيمان طريقة في الوجود، وتدريبا للجسد، وتشكيلا لآليات الانفعال، وأسلوبا في تلقي الواقع وقراءته.

الانكشاف: حين يفقد الإيمان وساطته

تبدأ أزمة الإيمان من لحظة انكشاف حادة وجارحة، تتضاعف وطأتها لأنها تحدث أمام عين الابن. يشاهد كريم الجنود البريطانيين وهم يذلون والده ويسخرون منه بإيماءات فظة تختزله إلى جسد مُهان. يبقى الأب بولص هادئا، غير أن هذا الهدوء يفقد صفاءه حين يعجز عن حماية رزقه ورزق ابنه. عند هذه النقطة، تتعرى هشاشة الدور، ويتصدع شكل الصورة، وينكشف الجسد الذي كان محاطا، حتى ذلك الحين، بهالة من القداسة والحماية. إنها لحظة سقوط الأب/الإله.

يرى كريم، في تلك اللحظة، ما كان مستحيلا في مخيلته: يظهر الأب، حامل النظام الأخلاقي، عاريا من الحماية، عاجزا عن حماية نفسه والآخرين. تبدأ صورة الأب المركبة الدلالة، بالتشقق من داخلها، ويتحول الكيان الذي كان يؤدي دور الوسيط بين العالم والمعنى إلى موضع سؤال.

"فلسطين ٣٦" على نتفليكس

يتكثف هنا ما يطوره طلال أسد حول إعادة تشكيل الدين داخل نظام كولونيالي. يتعرض الأب للإهانة كفرد، ويُدفع الجسد الديني إلى موقع يخضع فيه لشروط القابلية التي تفرضها السلطة. وتعمل الإيماءات الجنسية الساخرة على اختزاله إلى مادة قابلة للإخضاع، مفككة موقعه الرمزي أمام ابنه.

حين يقول الأب:
“هذا مسموح في طائفتنا”
تكشف العبارة عن شرخ داخل التقليد نفسه. فيتحول الخطاب الذي كان يضبط الجسد إلى خطاب يعيد توجيه الفعل نحو الخضوع، ويعيد ترتيب العلاقة بين الأخلاق والسلطة داخل شروط لا ينتجها الفاعل.

هنا يتغير موقع الأب في نظر كريم. فيفقد قدرته على أداء وظيفة الوسيط، ويتحول إلى دلالة مباشرة على تعثر هذه الوساطة. ويتقلص الإيمان، الذي كان يُنتظر منه أن يكون درع الحماية، منزاحا إلى الداخل، في اللحظة ذاتها التي كانت تستدعي حضوره في المجال العام بأقصى قوته.

لا أحد قادم من الأعلى

يتكشف هذا التحول في وعي كريم في تصاعد مربك. تبدأ القيم التي تعلمها -الصبر، الاحتمال، الثبات، انتظار الحماية- بالتصدع، وتتراجع قدرتها على تفسير ما يحدث. وهكذا تغدو لحظة الإذلال أكثر من مجرد مشهد قاسٍ؛ إنها انكسار في المعرفة نفسها.

التكرار: بنية العنف

نادراً ما تكفي لحظة واحدة لهدم الإيمان؛ إذ يتولى التكرار هذه المهمة حين يتحول الحدث إلى نسق، والعنف إلى بنية مستمرة، فيغدو الخذلان إيقاعاً متواتراً يطرق الجسد والوعي معاً. ومع كل لحظة تمر على كريم تحدث عملية إعادة ترتيب لمعرفته: عنف متجدد تتبعه خسارة آخذة في الاتساع، في تعاقب يكشف حقيقة واحدة—لا تدخل إلهي، ولا أحد يأتي لينصر الخير أو ليهزم الشر.

يظهر هذا التآكل في جسد كريم قبل وعيه. فنراه يحاول التمسك بما تبقى. يعض إصبعه كما تعلم، كأنه يريد أن يعيد إلى الألم معناه القديم، لكن العضة لا تؤدي دورها هذه المرة. فتهيمن صورة الأب المهزوزة، ويتكاثف غضبه من الأب/الإله الذي لم يستطع حمايته ولا حماية نفسه، فيما يراه يحمل أخته حديثة الولادة. ومنذ لحظة الإذلال تلك، لن يعود بإمكان كريم أن يرى والده بهالة القداسة نفسها.

التسارع المحتوم للانفصال عن الهوية

تبلغ هذه القطيعة حدا بالغ الصعوبة حين تنكرّه أمه بثياب فتاة اتقاء لأذى الجنود. ومع تصاعد إجراءات العقاب الجماعي، يغدو البقاء في صورته الأصلية غير ممكن. عند هذه العتبة، يأتي قرار التنكر استجابة تحت الضغط، حيث يعاد تشكيل الجسد ليلائم شروط فرصة ضئيلة للنجاة من إعدام محتوم للرجال والصبيان. يدخل الطفل في اغتراب مركب آخر عن هويته، فيرى نفسه من الخارج كهيئة تدار بشروط لا يملكها، ويتعلم مبكرا أن الهوية قابلة للتعديل تحت وطأة الخطر.

الانهيار: الخيانة، درب الآلام، ومحو الجسد

يكتسب هذا المسار كثافة إضافية حين يقرأ في ضوء سردية الآلام. تأتي الخيانة من داخل الجماعة، من شخص عرف الوجوه والبيوت ثم انقلب عليها، فيستدعي المشهد صدى يهوذا الإسخريوطي: لا تبلغ السلطة جسد المصلوب إلا بعد أن يفتحه لها أحد العارفين به. تتضاعف القسوة لأن الجسد يتم تسليمه إلى العنف من داخله أيضا، من النقطة ذاتها التي كان يفترض بها أن تحميه.

ويتكثف أثر ذلك في نظرة الجماعة إلى ذاتها؛ يتغير إدراكها وهي ترى أحد عناصرها ينتقل إلى موقع يشارك في إنتاج العنف، فينهار الإحساس بصلابة الداخل وتتزعزع الحدود بين الأمان والاختراق. وفي قلب هذا الترتيب تتقدم لحظة أخرى أكثر إيلاماً: حين ينكشف تنكر كريم، فيقدم الأب نفسه كبش فداء لابنه. يطلق نداءه للقائد العسكري بصوت منهك، يحمل إدراكا متأخراً بأن القرية عزلاء تماماً، وأن لا أحد قادم لنجدتها. هنا يختار الأب فعل المسيح المخلص، ظاناً أنه سيصلب فداء للقرية ولعائلته.

يتقدم أمام ابنه في صورة القربان، لكنها تأتي في هيئة منزوعة من كل وعد؛ ففعل التضحية الذي أقدم عليه يأتي بنتيجة عكسية. يقرر الإنجليز إعدام كل رجال القرية  معه. وهنا يفتح موته أفقاً يتجاوز العنف والظلم ويكسر الإيمان وعده بنصرة الخير. ومع حضور الابن كشاهد، يتضاعف الانهيار؛ يسقط الأب، ويسقط معه النظام الذي كان يربط بين الأب والله، وبين الألم والمعنى، وبين الانتظار والخلاص.

نجوم في سلسلة حوارات "فلسطين ٣٦"

تتخذ حركة الرجال المقيدين نحو الحافلة التي سيفجرها الإنجليز شكل مسار طويل تتراكم فيه الإهانات وتترسخ في الجسد الجمعي المعذب. تبدو الخطوات بطيئة، كأنها تمتد خارج الزمن، وكأن الاستنزاف يحدث جماعياً في كل خطوة. تستدعي هذه الحركة، في عمقها، صورة درب الآلام، مع إفراغها من الوعد وإعادة كتابتها داخل مشهدية عبثية ينتصر فيها الشر وحده.

يصاب خطاب الإيمان عند كريم بالشلل مع وصول جسد الأب إلى الحافلة. وقبل أن ينغلق المشهد، ينطلق خلفه؛ يركض كما لو أن اللحظة ما زالت قابلة للتغيير، وكأن النهاية لم تتقرر بعد. ويتجسد في هذا الاندفاع سؤال واحد يتكرر في جسده قبل أن يصل إلى اللغة: «يا الله، وينك؟». قد لا يقولها بصوت يشق السماء كما نسمعها من امرأة في غزة أمام الموت والجوع والبرد والخيام الغارقة في تكرار عبثية انتصار الشر وتفكك الوعد في يومنا الحالي، إلا أن الرعب في نظرته المعلقة بالحافلة يقولها وأكثر.

طفل لا يفهم ما يراه، ولا يستطيع قبول أن ما يحدث هو النهاية. عالمه مبني على أن «الله يحمينا»، وأن الخير لا يترك لمصيره، وأن المؤمنين لا يزج بهم في النار. ما يجري يقلب هذه القاعدة من أساسها، فلا يجد له موضعا داخل ما تعلمه. تتجلى القطيعة في نظرته المرتعبة، المعلقة بما يحدث وبما كان يجب أن يحدث. يركض لأنه لا يملك شيئاً آخر؛ جسده هو الوسيلة الوحيدة المتبقية داخل واقع فقد معناه وتفتت. يضغط المسافة كما لو أن الاقتراب قد يفتح طريقا لمخرج أو معجزة، أو يؤخر ما يندفع نحوه.

الانفجار

يأتي الانفجار فجأة، كقطع حاد داخل الامتداد أمامه. يختفي الجسد، ويتحول الحضور إلى غياب كثيف. لا يترك المشهد أثراً يمكن استعادته داخل منطق الفداء، ولا يفتح باباً لتخيل القيامة. ينغلق الأفق، ويجد كريم نفسه وحيداً داخل فراغ لا يستجيب لأي وعد سابق. هنا تفكك الصرخة شكل إيمانه القديم، وتخرجه من خطابه المألوف، وتدفعه إلى حافة لا يعود فيها قابلا للاحتواء. عند هذه النقطة، يتبدل كل شيء.

الإعدام الجماعي والصلب

تتخذ لحظة الإعدام الجماعي هيئة صدى منكسر لمشهد الصلب. يرى كريم والده مساقا مع الرجال، مضروبا مترب الثياب، وقد فقد كل ما كان يميزه عن بقية الأجساد. يتحول الجسد إلى عرض علني أمام أعين الجماعة، حيث يعاد تعريفه تحت سلطة العنف، ويبلغ الانكشاف درجة تقارب الإلغاء.

يتسع الفراغ في معنى الإيمان داخل وعي كريم مع كل خطوة، ويزداد ثقله حتى يصبح الحقيقة الوحيدة التي تجثم على صدره كصخرة: لا أحد قادم من الأعلى.

وعند لحظة الانفجار، تنقطع صلته بكل شيء. لا يبقى من الجسد ما يمكن التعلق به، ولا من المعنى ما يمكن استعادته. تنفجر الحافلة، ويتحول المشهد إلى غياب صافٍ، خالٍ من أي إمكانية للتأويل القديم.

الفعل: من الانهيار إلى إعادة الكتابة

من داخل هذا الفراغ، يبدأ شيء آخر بالتشكل. تولد استجابة من قلب هذا التفتت المرعب لكل ما كان له معنى. تتباطأ الحركة، كأن الزمن نفسه يتردد. تمتد اليد إلى التراب، يبدأ الحفر، يلامس الجسد البقايا، يحملها، ويعيدها إلى الأرض. يتلاحم جسد كريم الحي، المُجبر على دفن والده، مع الموت الذي يدفنه. الدفن هنا ليس طقسا جنائزيا منعزلا، فهو يتحول إلى تجربة تلاحم مباشرة بين الميت والحي، تتم عبرها خياطة الفقد في الذاكرة. تتحول كل حركة من حركات يدي كريم  داخل القبر المحفور إلى خيط يصل الغياب بالحضور، وكل حفنة تراب إلى أثر مادي لما انتزع من روحه. تتسع القطيعة مع كل حفنة، وكما يدفن الأب، يدفن معه النظام الذي كان يمنح صورته وخطابه معناه.

يلتقي هذا التحول مع ما يطرحه طلال أسد حول تشكل الإيمان داخل شروط تاريخية محددة.  إذ يظهر الإيمان كمنظومة من الممارسات التي تنظّم الجسد وتضبط الإحساس وتمنح الألم إطارا يمكن احتماله أكثر من كونه مجرد مجموعة من الاعتقادات والنصوص والممارسات العقائدية المنفصلة. ضمن هذا التصور، يعمل الإيمان كطريقة للعيش داخل العالم، وكآلية تصبح التجارب  القاسية عبرها قابلة للفهم. ومع تغير الشروط التي كان يعمل الإيمان ضمنها، يتبدل موقعه، ويفقد القدرة التي كانت تمكنه من ترتيب ما يحدث. عند هذه النقطة، لا يكون ما نشهده فقدانا للإيمان، بقدر ما هو تعثر في الشكل الذي يمنحه فاعليته، وانكشاف لحدوده حين يواجه عنفا لا يسمح بإعادة إدخاله في المعنى مجددا بنفس الحيثية.

وفي امتداد لهذا التحول كذلك، يمكن قراءة ما حدث مع كريم في ضوء تصور تشارلز تايلور حول تغير شروط الإيمان داخل العالم الحديث. إذ يرى تايلور أن الإيمان يفقد موقعه كأفق مستقر يفهم العالم من خلاله، ويتحول إلى إمكانية تتحرك داخل تجربة لم تعد تستجيب له على النحو نفسه.

فيلم "فلسطين ٣٦" يعرض أصل الاستعمار في مهرجان تورونتو

في هذا السياق، لا يعود الأمل معطى جاهزا ولا يبقى الانتظار جزءا من نظام يضمن الاستجابة، بل يدخل في علاقة أكثر هشاشة مع ما يحدث. ويتجلى ذلك في مسار كريم، حين يبدأ بالركض خلف الحافلة، مشدودا إلى رجاء لم ينقطع، ويظل التوجه نحو الأعلى قائما داخل جسد يحاول اللحاق بما يراه دون أن يجد الإطار الذي كان يمنحه تفسيرا أو وعدا. حتى هذه اللحظة في الفيلم، ما زال كريم متعلقا بخيط رفيع من خيوط الرجاء. أن خلاصا/معجزة/يدا إلهية ستتدخل وتنقذ الأب والقرية. هكذا يعمل الكون. هكذا يجب أن يكون. هذا ما علمه والده والقرية والكبار والمنظومة كلها. الخير والله والإيمان ينتصر دائما.

لكن مع انغلاق الأفق أمامه، يتبدل هذا الاندفاع. يتحول الصوت إلى صراخ يخرج من خارج الخطاب المألوف. ثم يخفت في الصمت الذي يرافق الدفن، حيث تبدأ ملامح القبول بالتشكل. عند هذه النقطة، تنعطف التجربة نحو إعادة ترتيب الذات، وإعادة تعريف الإيمان من داخلها، عبر شكل جديد يتجسد في صورة الراهب المقاوم.

كريم المولود من التراب

خارجا من قبر والده، يبدأ كريم إعادة ترتيب العلاقة مع الرموز. يعود الثوب الديني إلى الواجهة، فيرتديه مستعيدا السيطرة على صورة فقدت مرجعها، ليعيد تحديد معناها. يمشي إلى القدس في امتداد لمسار والده، لكنه يعيد قطعه على نحو مختلف، لا يشبهه في شيء.

عند وصوله إلى كنيسة القيامة، تتكثف المفارقة. يحمل المكان ذاكرة الصلب والقيامة، ويستقبل فعلًا يعيد كتابة هاتين الدلالتين من داخل التجربة. يعيد كريم هنا صياغة السردية من موقع مختلف؛ فهو يدرك أن النهاية قد تكون واحدة، وأن الطريق يقود إلى العنف ذاته، لكنه يرفض إعادة إنتاج موضع الجسد كجسد مستلب يساق إلى موته ضحية كل مرة. فيتحرك هذه المرة بفعل، ويحمل الجسد معنى آخر، حتى وإن لم تتغير النتيجة.

فنراه واقفا داخل هذا المصير دون ذرة تردد، مختارا تفاصيله، كمن يعيد إخراج المشهد على خشبته، فيكتب الصلب من الداخل، ويدفعه نحو مواجهة واعية تنبثق من الفعل نفسه. ومن هنا يعاد ترتيب موقع الجسد في الموت، كموضع للحضور، يستعيد من خلاله قدرته على الفعل وعلى الخيار.

خاتمة

يكشف فيلم "فلسطين 36" لحظة يتحول فيها الإيمان إلى أثر يتحرك داخل حيز منتهك.

ولعل خط شخصية كريم والأب بولص في "فلسطين 36" قد بلغ من الكثافة الدرامية والنضج والتدوير في الفيلم،  لدرجة أنه كان فيلما منفصلا بحد ذاته داخل الفيلم نفسه. فبينما تتوزع السردية على خطوط متعددة، تبدو متجهة إلى رسم صورة جماعية للثورة، يفتح خط كريم زاوية قراءة مختلفة، تتمحور حول اختبار الإيمان داخل الهوية الفلسطينية في سياق استعماري.

في هذا المسار، يتعرض الإيمان والموروث الديني لسلسلة من عمليات إعادة التشكل عبر زمن طويل، فتعاد صياغتهما من الداخل، وتنبثق عنهما تصورات الخذلان، وتصدعات المعنى، ومحاولات استعادة الشكل والأدوات داخل شروط لم تعد تسمح لهما بالعمل كما كانا.

تتركنا المخرجة مع مشهد إطلاق كريم النار باللباس الديني  أمام سؤال مفتوح ومقلق: ماذا يحدث بعد أن ينهار الإيمان، حين تستمر الحياة داخله كأثر بلا ضمان، وكحركة تبحث عن شكلها في عالم لم يعد قابلاً للترتيب؟

وهنا يتبدل السؤال الأخير:
ما الذي يمكن أن يحمله الإنسان في جسده، وقد صار حيزه الأوحد، بعد أن يسلب منه كل شيء آخر؟

المراجع

- أسد، طلال. تشكلات العلمانية: المسيحية، الإسلام، الحداثة. ستانفورد: ستانفورد برس، 2003.

- تايلور، تشارلز. عصر علماني. كامبريدج، ماساتشوستس: هارفارد برس، 2007.

- جاسر، آن ماري (إخراج). فلسطين 36. 2025.

 

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع