نشرت في "فيرسو" في ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٣.
تُعدّ احتفالات الأول من أيار جزءاً تاريخياً حيّاً من نضال الطبقة البروليتارية العالمي، ولهذا فهي تعكس بدقّة السنوات العشرين الأخيرة بكل مراحل هذا النضال ولحظاته. وعند النظر إليها من بعيد، تبدو دائماً كتكرار رتيب لنفس الخطب والمقالات، ولنفس المطالب والقرارات. ولهذا أيضاً يعتقد أولئك الذين لا يرون سوى السطح الجامد للأشياء، ولا يشعرون بالتشكّل الداخلي الخفي للظروف، أن احتفال الأول من أيار فقد معناه بسبب هذا التكرار، وأنه كاد يتحول إلى «استعراض فارغ».
غير أنّ احتفالات الأول من أيار، تحت هذا المظهر المتشابه ظاهرياً، تُخفي النبض المتغيّر لنضال البروليتاريا، الذي يشارك حركة العمال حياتها، ويتغير معها، ويعكس في أفكاره ومزاجه وتوتره التحولات التي تطرأ على أوضاع الصراع الطبقي.

لقد مرّ الأول من أيار بثلاث مراحل كبرى في تاريخه. ففي السنوات الأولى، حين كان عليه أن يبدأ مسيرته، استقبلته بروليتاريا جميع البلدان بتوقعات متوترة وحماسة عالية. أضافت الطبقة العاملة سلاحاً جديداً إلى ترسانتها، وأسهمت المحاولات الأولى لاستخدام هذا السلاح في تعزيز الشعور بالقوة ولذّة النضال لدى ملايين المستغَلّين والمضطهَدين. وفي المقابل، واجهت البرجوازية في كل البلدان هذا الشكل الجديد من الصراع الطبقي بأقصى درجات الخوف وأعمق مشاعر الكراهية.
بدا لهم التفكير في تظاهرة اشتراكية دولية كأنه شبح متجدّد للأممية القديمة المكروهة، كما بدا لهم تنظيم احتفال عمالي متزامن على مستوى العالم كأنه نذير موت كل مجد رأسمالي. ولهذا اندفعت في السنوات الأولى إلى إعدادات محمومة لمواجهة أخطار الأول من أيار بالقوة الوحشية للشرطة والجيش. وكطليعة لهذا الموكب المسلّح للبرجوازية المرتعبة، ألقت «الجمهورية الحرة» في فرنسا بنفسها في المعركة، ثم لحقت بها لاحقاً الاستبدادية القيصرية. وسال أول دم بروليتاري من أجل قضية احتفال أيار عام 1891 في فورمي؛ وفي عام 1892 اندلعت معركة دامية في بولندا الروسية، في مدينة لودج.
لكن سرعان ما هدأت الطبقات الحاكمة، وأدركت الطابع الاستعراضي البحت لاحتفالات الأول من أيار. ومن جهة أخرى، تلت ذلك فترة طويلة من النضال البرلماني أساساً، ومن التوسع الهادئ للتنظيمات السياسية والنقابية ضمن حركة العمال. شهد العام الأول لاحتفالات أيار نهاية القوانين المعادية للاشتراكية في ألمانيا، وتمكنت البروليتاريا من دخول البرلمانات في بلجيكا عام 1893، وفي النمسا عام 1896. وفي كل مكان، جلبت تسعينيات القرن التاسع عشر فترة من العمل النقابي الدؤوب والنمو المتواصل في التمثيل البرلماني للطبقة العاملة. وأمام السعي إلى تحقيق تمثيل عمالي في البرلمانات، وكذلك الخطوات الإيجابية لتطوير الأحزاب العمالية في بلدان عديدة، تراجعت إلى الظل تظاهرات الجماهير العمالية نفسها، وكذلك فكرة المجتمع الدولي للبروليتاريا. وهكذا أخذت احتفالات الأول من أيار تتحول تدريجياً إلى مهرجان شعبي سلمي، تراقبه البرجوازية بقدر من الطمأنينة.
في السنوات الأخيرة، طرأ تحول ملحوظ على وضع حركة العمال. لقد هبّت من جديد رياح حادة فوق ساحة المعركة. ففي الشرق، هناك الثورة الروسية الكبرى؛ وفي ألمانيا، تصاعد واحتدام في النضال الاقتصادي والسياسي، تمثل في إغلاق شامل ضد العمال الصناعيين، وتحالف جميع الأحزاب البرجوازية لفرض إقصاء برلماني على الطبقة العاملة. وفي فرنسا، هناك حملة شرسة من الحكومة «الراديكالية» ضد النقابات، وسلسلة من النزاعات القاسية حول الأجور. وإذ تنبهت الرأسمالية الدولية إلى النمو القوي لتنظيمات البروليتاريا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وتأثرت بالثورة الروسية، أصبحت أكثر توتراً وعدوانية.
وهذا أيضاً يشير إلى بداية مرحلة جديدة للأول من أيار. فمنذ البداية، كان الأول من أيار تظاهرة مباشرة للجماهير، وكان فعله السياسي المباشر الوحيد حتى الآن خارج الانتخابات. أما اليوم، فهو يمتلئ بمحتوى جديد وروح جديدة، بقدر ما يدفع احتدام الصراع الطبقي دور الجماهير البروليتارية إلى الواجهة من جديد. وكلما كشفت الرجعية، في المجالين الاقتصادي والسياسي، عن استبداد البرجوازية العاري، ونازعت حتى أدنى محاولة لدعم مصالح البروليتاريا، اقتربنا أكثر من زمن تمسك فيه الجماهير بزمام الأمور، وتدافع بنفسها عن مصالح تحررها الطبقي.

إن مواجهة هذا الاحتمال المحتوم عاجلاً أم آجلاً، والاستعداد له بوعي كامل بالواجب وبالقوة الذاتية، هو المهمة الراهنة للبروليتاريا.
مقتطف من «الأعمال الكاملة لروزا لوكسمبورغ»، المجلد الرابع: الكتابات السياسية 2، حول الثورة 1906 إلى 1909، ترجمة جاكوب بلومنفلد، نيكولاس غراي، هنري هولاند، زاكاري كينغ، مانوِيلا كولكه، وجوزيف مولر.
